المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطبة الوداع ...فوائد وفرائد


شيماء
11-17-2008, 03:50 AM
خطبة الوداع
فوائد وفرائد


إعداد

الدكتور محمد أحمد عبد الغني






المقدمة
الحمد لله حمداً كثيراً والله أكبر كبيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العزيز الغفار، الواحد القهار، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، النبي المختار صلى الله عليه وعلى آله الأبرار وصحبه المهاجرين والأنصار، وعلى من سار على دربهم وأقتفى سنتهم وأتبع الآثار, وعلينا ومعهم وفيهم برحمة منك يا غفار .
الله أكبر والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين والذلة والهوان والصغار للكافرين والمشركين.
الله أكبر يرفع بالطاعة أقواما ويذل بالمعصية آخرين .
الله أكبر عدد ما أحرم الحجاج من الميقات ، وعدد ما لبى الملبون وزيد في الحسنات .
الله أكبر عدد ما دخل الحجاج مكة طائفين وساجدين ومنىً ومزدلفة وعرفات .
الله أكبر عدد ما طاف الطائفون بالبيت الحرام وصلوا خلف المقام وعظموا الحرمات.
الله أكبر عدد من سعى بين الصفا والمروة من المرات .
الله أكبر عدد ما حلقوا الرؤوس تعظيماً لرب البريات .
الله اكبر : الاسرائيل تبقى دولة **** في حمى المهد وظل الحرم.
لا يلام الذئب في عدوانه **** ان يك الراعي عدو الغنم.
أما بعد :

فان في خطبة حجة الوداع لعبرا سامية , ومواعظ سامقة , ودروسا جامعة وفوائد نافعة,وفرائد يانعة , تحكي المبادىء الكبرى لدين القيمة , بألفاظ موجزة , ومعان واضحة شافية .
وقد احتوَت هذه الخطبةُ المبارَكة على خُلاصةٍ من الوصايا النبوية العظيمة، مثل: حُرمة دمِ المسلم ومالِه، وتحريم الربا وإهدار دماءَ الجاهلية، والتوصية بالنساء خيراً ، والدعوة إلى المساواة بين الناسِ وعدم المفاضلة بينَهم إلا بالتقوى، والنهي عن الوصية للوارث، والمحافظة على الأنساب...
لقد كانت خُطبةُ الوداعِ نَمُوذجاً من الهديِ النبوي الشاملِ والخطابِ الإسلامي المتكامِل، حيث جَمعَ صلى الله عليه وسلم في خُطبتِه توجيهاً عقدياًّ واجتماعياًّ واقتصادياًّ.
لقد كانت وَصيةً إلى الالتزام بالدين القيم الكاملِ الشاملِ لجوانبِ الاعتقاد والعبادة والعناية بالإصلاح الاجتماعي في شأن المرأة والأسرة والمجتمع.
إنِّ هذه الخطبةَ النبوِيةَ تُمثِّلُ رُؤيةً واضِحةً ومنهَجاً اجتماعياًّ مُتوازِناً مُتناسِقاً بين مُراعاةِ حُقوقِ الفردِ والجماعة، وحُقوقِ الرجلِ والمرأةِ والأُسرةِ؛ تقومُ على قاعِدةِ الالتزامِ بالحقوقِ والواجبات؛ وهذه الخطبةُ في الحقيقةِ دُستُورٌ رائعٌ لبناءِ مجتمعٍ مُتكاتِفٍ مُتكافلٍ يشُدُّ بعضُه بعضاً، وتتكاملُ فيه جهودُ الفردِ والجماعةِ والأسرةِ والمجتمع. وقد جاء نزولُ الآيةِ الكريمة (اليومَ أكمَلتُ لكم دينَكم وأتْمَمتُ عليكم نعمتِي ورَضِيتُ لكم الإسلامَ دِيناً)؛ إتْماماً لهذا المشروعِ الحضاري العظيم: مشروع إكمالِ الدينِ وإتمامِ النعمة.
فلنول وجوهنا وقلوبنا شطر تلك الكلمات , التي ودعنا بها الحبيب المصطفى عليه أتم الصلوات , والتي كانت بمثابة وصية لنا قبل رحيله و الممات.
فقد علت الأصوات أن افسحوا وتباعدوا عن الطرقات، ألا ترون ذلكم الركب المبارك، في يوم السبت وفي الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة عشر من الهجرة المباركة. تحرك هذا الجمع المبارك بعد الظهر حتى بلغ ذي الحليفة فاغتسل النبي (صلى الله عليه وسلم) وادهن ولبس إزاره ورداءه، وقلد بدنه، ثم أهل بالحج والعمرة وقرن بينهما، وسار وهو يلبي( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)..
نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصده الحج لهذا العام، فاجتمع حوله مائة وأربعة وأربعون ألفًا من الناس في مشهد عظيم، فيه معان العزة والتمكين، ألقى الرعب والفزع في قلوب أعداء الدعوة ومحاربيها، وكان غصة في حلوق الكفرة والملحدين.
قبل ثلاثٍ وعشرين سنة من ذلكم الوقت كان فردًا وحيدًا، يعرض الإسلام على الناس فيردوه، ويدعوهم فيكذبوه، في ذلكم الحين كان المؤمن لا يأمن على نفسه أن يصلي في بيت الله وحرم الله.
ها هم اليوم مائة وأربعة وأربعون ألفًا يلتفون حول الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم في مشهدٍ يوحي بأكمل معان النصر والظفر، ويجسد صورة رائعة، تحكي بأن الزمن وإن طال، فإن الغلبة لأولياء الله وجنده، مهما حوربت الدعوة وضيق عليها، وسامها الأعداء ألوان العداء والاضطهاد، فإن العاقبة للحق ولأهل الحق العاملين المصلحين: (وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) .
سار ذلكم الركب المبارك يدوس الأرض، التي عذّب من عذّب فيها، وسحب على رمضائها مَنْ سُحِب، ساروا يمرّون على مواضع لم تزل ولن تزال عالقة في ذكراهم، سيموا فيها ألوان العذاب والقهر والعنت، سار صلى الله عليه وسلم ، ليدخل المسجد الحرام الذي لطالما استقسم فيه بالأزلام، وعبدت فيه الأصنام، دخله في الرابع من ذي الحجة، يوم الأحد ليلاً، طاهرًا نقيًا، تردد أركانه وجنباته لا إله إلا الله، ورجع الصدى من جبال بكة ينادي: لبيك اللهم لبيك.
وفي اليوم الثامن من ذي الحجة وكان يوم الخميس نزل بطن الوادي من منى فخطب في ذلكم الجمع الغفيرخطبة جامعة نافعة .
لقد نظرت في تلك الكلمات , فتاقت النفس للغور في فوائدها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبلاغية , فسطر القلم بعون الله تعالى الذي أسأله بجوده الذي هو غاية مطلب الطُّلاّب وكرمه الواسع الذي لا يحول دونه سترٍ ولا حجاب أن يجعله في إصلاح الدين ورجحانا في ميزاني عند خِفَّة الموازين إنه خير مأمول وأكرم مسؤول...
وفي الختام أرجو أن يرزق هذا العمل بالقبول عند الله، وأن أكون خالصاً لوجهه الكريم وأن ينتفع به المسلمون، معتذراً عمّا قد يكون فيه من نقص أو فهم أن فيه انتقاص، فلست بناقصٍ لأحدٍ فضلاً ولا عائبٍ له قولاً فأكون كما قَالَ بعضهم ولله درهم:
بنقصِك أهلَ الفضلِ بـان لنـا أَنّـــك منقـوصٌ ومفضـول
والحمد لله رب العالمين

شيماء
11-17-2008, 03:52 AM
النص النبوي الكريم

(الحمدُ لله نحمدُهُ وَنَسْتَعِينُه، ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَتُوبُ إليه، ونَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنْفُسِنا ومِنْ سيّئآتِ أعْمَالِنَا مَن يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضَلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. أَمَّا بعد:
أَيُّها النَّاس، اسمعوا قولي ، فَإنّيَ لاَ أَدْرِي، لعَليّ لاَ أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامي هَذَا، بهذا الموقف أبدا .
أيها الناس إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ » وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانةٌ فليؤُدِّها إلى مَنْ ائْتمَنَهُ عَلَيها، ،ألا و إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع و دماء الجاهلية موضوعة … وإنَّ رِبَا الجَاهِليّة مَوضوعٌ ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون . قضى الله أنه لا ربا ، وإنّ أَوّلَ رباً أَبْدأُ بِهِ رِبَا عَمّي العباسُ بن عبد المطلب وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد بن عبد المطلب ، وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية .

شيماء
11-17-2008, 03:55 AM
أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم.
أَيُّها النَّاس، إِنَّمَا النَّسيءُ زِيادةٌ في الكُفرِ ، يضلُّ به الذينَ كَفَروا ، يُحِلُّونَهُ عاماً ، وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً ، لِيوَاطِئُوا عِدَّة مَا حَرَّمَ اللهُ فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله . إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ورجب مضر ، الذي بين جمادى وشعبان .
أَيُّها النَّاس، ، اتقوا الله في النساء ، فإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله، واستوصوا بالنساء خيرا ، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً. إلا إن لكم على نسَائِكُمْ حقاً و لِنسَائِكُمْ عليكم حقاً فأما حقكم على نسائكم؛ فلا يُوطْئنَ فُرُشَكُمْ غيرَكم ، وَلا يُدْخِلْنَ أحَداً تكرَهُونَهُ بيوتَكُمْ، ولا يأتينَ بِفَاحِشَة، فإنْ أطَعْنَكُمْ فَعَلَيْكُمْ رِزقُهنَّ وكسوتُهُنَّ بالمَعْرُوفِ ،
فاعقلوا أيها الناس قولي ، فإني قد بلغت ، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا ، أمرا بينا ، كتاب الله وسنة نبيه .

أَيُّها النَّاس، اسمعوا قولي واعقلوه تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة , فَلاَ يَحِلُّ لامْرِىءٍ مَالُ أَخيهِ إلاّ عَنْ طيبِ نفْسٍ منهُ، فلا تظلمن أنفسكم اللهم هل بلغت ؟ و ستلقون ربكم فلا تَرْجِعُنّ بَعْدِي كُفاراً يَضرِبُ بَعْضُكُمْ رقابَ بَعْض.
أيها النّاسُ إن رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وإنّ أَبَاكُمْ واحِدٌ ، كُلكُّمْ لآدمَ ، وآدمُ من تُراب، أَكرمُكُمْ عندَ اللهِ أتْقَاكُمْ وليس لعربيّ فَضْلٌ على عجميّ إلاّ بالتّقْوىَ، أَلاَ هَلْ بلَّغْتُ، اللّهُمّ اشهد"
أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ, وأخرج مسلم أنه قال: ((وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟)) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: ((اللهم اشهد)) ثلاث مرات.

ولما فرغ من خطبته نزل عليه قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِيناً )
وعندما سمعها عمر رضي الله عنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان. .

شيماء
11-17-2008, 03:59 AM
الأفكار الرئيسة لخطبة الوداع

1-حرمة سفك الدماء بغير حق، وإقرارا للعدالة والمساواة, حيث المساواة بين الحاكم والمحكوم، وبين الغني والفقير، والقوي والضعيف، والصغير والكبير، والأبيض والأسود والأحمر، والرجل والمرأة، في الحقوق الإنسانية.. فكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه..
2- دفن الجاهلية ووضعها تحت الأقدام لحقارته.. حيث وضع رسول الله أخلاق ومبادئ وقيم الجاهلية، وتصوراتها ومظاهرها وشعاراتها وكبريائها وعنجهيتها، وعقائدها وأحكامها وأعرافها، كل ذلك وضع النبي (صلى الله عليه وسلم) تحت قدمه..
3- الوصية بالنساء خيرا، و أنهن عوان (أي أسيرات) لا يملكون لأنفسهن شيئا، فإن الإسلام أعطى للمرأة حقوقها ووصى بها.. وجعلها بنتا في بيت أبيها، وزوجة في بيت زوجها وهي سيدة ذلك البيت.. أعطاها حقها في الميراث، وكانت من قبل لا تأخذ شيئا.. جعل لها كرامة وكانت من قبل تباع وتشترى.. وجعل لها رأيا ولم يكن لها من قبل رأي.. فهذا هو الإسلام جعلها مصانة في بيتها معززة في حياتها..
4-التمسك بكتاب الله والاعتصام به فهو سبيل العزة والنصر والنجاح في الدنيا والآخرة، ولما كانت الأمة متمسكة به ومجتمعة تحت خليفة واحد، كانت في عزة وكرامة تهابها الأمم ويذل لها الملوك والتاريخ خير شاهد.. ولما تركت الأمة كتاب ربها تمزقت وتفرقت، فاجتمع عليها الأعداء، شقت وعاشت في مذلة وضياع.
5-حرمة الربا، لأنه النظام الذي يسحق الفقراء، ويجعل المجتمع طبقيا يمتلئ بالأحقاد والضغائن ويكثر فيه الجرائم.. ويعرض المجتمع للحرب مع الله، وأي نصر في معركة تكون مع الله، فلا يكون إلا الشقاء والتعاسة، وقلة الخير والبركة، فلا خير من الأرض إلا القليل ولا من السماء إلا النذر اليسير..
6-التحذير من الشيطان، فإنه يأس من المؤمن لكنه رضي باليسير من المحقرات التي نظن أنها بسيطة، وهي في الحقيقة مدخل للشيطان إلى القلب فيفسده ويهلك الإنسان بعد ذلك..
7-شمولها لأمور الدنيا والآخرة، فهي قد عالجت شئون الحياة الاجتماعية، من علاقة الأخ بأخيه، والمرأة بزوجها، والأفراد بالمجتمع، والحاكم بالمحكوم، والعبد بربه سبحانه وتعالى، وحذرت من الشيطان، وبينت أسس الدين ومقاصد الشريعة، وأنهم سوف يلقون ربهم فيسألهم عن أعمالهم في الآخرة..
8-على الداعية البلاغ وليس عليه النتائج، وهو أمر محسوم من القرآن { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ } والنبي (صلى الله عليه وسلم) يقرر ذلك أن الداعية عليه أن يبذل قصارى جهده ومبلغ طاقته، وجل وقته، وأكثر ماله، وكل ما يملك، في سبيل دعوته، ولا ينتظر النتيجة ولا يحاسب عليها هل التزم الناس معه أم لا..
وهكذا كانت هذه الوصايا الجامعة والقيم النافعة تمهد السبيل إلى الاستقرار الأسري والتوازن الاقتصادي والتكافل الاجتماعي والتعارف الإنساني، قياما بواجب الدعوة إلى هذا الدين بالتي هي أحسن..
كانت هذه الخطبة بمثابة رسالة حضارية عامة إلى كل البشرية على اختلاف ألوان وأجناسهم وألسنتهم....

شيماء
11-17-2008, 04:03 AM
أضواء على خطبة حجة الوداع

(أَيُّها النَّاس، اسمعوا قولي ، فَإنّيَ لاَ أَدْرِي، لعَليّ لاَ أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامي هَذَا، بهذا الموقف أبدا ) .

نداء من الحبيب والأريب والنجيب ممن أنذر وأعذر ، وبشر وحذر ، وسهل ويسر...من صاحب الشريعة الغراء ، والملة السمحاء ، والحنيفية البيضاء ,ممن له المقام المحمود ، واللواء المعقود ، والحوض المورود خاتم الأنبياء ، وصاحب صفوة الأولياء ، إمام الصالحين ، وقدوة المفلحين , نداء من الذي ما ضلّْ ، وما زلّْ ، وما ذلّْ ، وما غلّْ ، وما ملّْ ، وما كلّْ ،ممن علم اللسان الذكر ، والقلب الشكر ، والجسد الصبر ، والنفس الطهر ، وعلم القادة الإنصاف ، والرعية العفاف ، وحبب للناس عيش الكفاف ، ممن صبر على الفقر ، لأنه عاش فقيرا ، وصبر على جموع الغنى لأنه ملك ملكاً كبيرا ، ممن بعث بالرسالة ، وحكم بالعدالة ، وعلم من الجهالة ، وهدى من الضلالة ، ممن ارتقى في درجات الكمال حتى بلغ الوسيلة ، وصعد في سلّم الفضل حتى حاز كل فضيلة.
وأنصتت الدنيا لتسمع قوله , أنصتت المهاجرين والانصار, أنصت أكثر من مائة ألف حاج وحاجة, و أنصت الحجر و القفر و المدر والوبر إلى الكلمة المودعة التي ينطق بها فم رسول الله عليه الصلاة و السلام.


وأصغت لها الدنيا بأسرها بلسان حالها ومقالها – لتسمع كلام النبي صلي الله عليه وسلم وهو يوضح مبادئ الرحمة والإنسانية ويرسي لها دعائم السلم والسلام ويقيم فيها أوامر المحبة والأخوة وفرش بأرضها روح التراحم والتعاون وكأنه يعلم أنه سوف يأتي من بعده أقوام يتركوا هذه المبادئ والقيم..
أنصت الجميع بعد أن أنست وسعدت الدنيا به ثلاثة و ستين عاما ً , بعد أن أرشد البشرية إلى الحق وكانت في ظلمات الباطل عائمة ، وقادها إلى النور وكانت في دياجير الزور قائمة .

لقد اعتنَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِالجانبِ الإعلامي في مطلعِ هذه الخطبة وحرصَ على حَثِّ الناسِ على الإنصاتِ وحُسنِ الاستماعِ إليه، فأمرَ جابراً رضي الله عنه باستِنصاتِ الناسِ، كما روى البخاري رحمه الله في كتاب (العلم)، باب (الإنصات للعلماء) عن جرير رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له في حجةِ الوداعِ: استَنْصِتَ الناسَ! فقال: لا ترجِعُوا بعدي كُفاراً يضربُ بعضُكم رِقابَ بعض).


وها هو يلمح بالرحيل بعد أن قام بأمر ربه و غرس الدنيا بغراس الإيمان وبعد أن أقام الله به الميزان ، وأنزل عليه القرآن ، وفرق به الكفر والبهتان ، وحطمت به الأوثان والصلبان وها هو يلخص المبادئ التي جاء بها و جاهد في سبيلها في كلما ت جامعة و بنود معدودة يلقي بها إلى سمع العالم .
ها هو يتحدث حديث مودع محب مخلص ناصح، يريد الخير لأمته من بعده. فقد شعر الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بأن حياته قد انطوت ، وأيامه قد انتهت ، لأنه أدَّى ما عليه ، وأقام دينه العظيم يؤدي فعالياته في توجيه الإنسان وإقامة سلوكه .

شيماء
11-17-2008, 04:08 AM
فإذن لابد له ( صلى الله عليه وآله ) من الرحيل عن هذه الحياة ، فقد كانت هناك إنذارات متوالية تدل على ذلك ، وهي كما يلي :

أولها :أن القرآن الكريم نزل على الرسول ( صلى الله عليه وآله ) مَرَّتين ، فاستشعر ( صلى الله عليه وآله ) بذلك حضور الأجل المحتوم ، وأخذ ينعى نفسه ، ويذيع بين المسلمين مفارقته لهذه الحياة .

وكان يقول لبضعته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) : ( إِنَّ جِبرائيلَ كَانَ يُعارضُني بالقُرآنِ في كُلِّ سَنَة مَرَّة ، وإِنَّه عارضني به العام مرتين ، وَما أرَى ذَلك إِلاَّ اقتِرَاب أَجَلي ) .

ثانيها :إنّه نزل عليه الوحي بهذه الآية الكريمة : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ ) .وكانت هذه الآية إنذاراً له ( صلى الله عليه وآله ) بمفارقة الحياة ، فأثارت كَوامِنَ التَوَجُّسِ في نفسه ( صلى الله عليه وآله ) .

ثالثها :إنّه نزلت عليه سورة النصر ، فكان ( صلى الله عليه وآله ) يَسكُتُ بين التكبير والقراءة ويقول : ( سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ ، أَستَغفِرُ اللهَ وَأتُوبُ إِلَيه ) .
فَفَزع المسلمون وذهلوا ، وانطلقوا إليه يسألونه عن سبب ذلك ، فأجابهم ( صلى الله عليه وآله ) : ( إِنَّ نَفسِي قَد نُعِيَتْ إِلَيَّ ) ، وكان وَقْعُ ذلك عليهم كالصاعقة ، فلا يعلمون ماذا سيجري عليهم إن خلت هذه الدنيا من النبي ( صلى الله عليه وآله ) .


وبعد شهرين من عودة النبي صلى الله عليه وسلم من حجّة الوداع ألمّ المرض به صلى الله عليه وسلم ، وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة شهد النبي صلى الله عليه وسلم جنازة في البقيع ، فلما رجع أخذه صداع شديد و هو في الطريق ، و اتقدت حرارته ، واشتد به المرض ، ونُقل إلى بيت عائشة التي كانت تقرأ بالمعوّذات والأدعية التي حفظتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

كان النبي صلى الله عليه وسلم رغم مرضه يخرج ويُصلّي بالناس ، وكانت آخر خطبة خطبها يوم خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي ، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم ، فاقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم ) .

وقبل الوفاة بأربعة أيام أثقله المرض ، فصلّى بالناس صلاة المغرب ، و لم يستطع الخروج لصلاة العشاء ، قالت عائشة : ( فقال أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، وهم ينتظرونك يا رسول الله ، قال : ضعوا لي ماء في المخضب ، ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق فقال أصلى الناس ؟ - ثلاث مرات - قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة ، قالت : فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يصلي بالناس ، فأتاه الرسول فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس ، فقال أبو بكر : وكان رجلاً رقيقا : يا عمر صلِّ بالناس ، قال فقال : عمر أنت أحق بذلك . قالت : فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفّة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتأخر ، وقال لهما : أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر ، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد ) .

ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة ابنته فسارّها فبكت ثم سارّها فضحكت ، فقالت عائشة : فقلت لفاطمة ما هذا الذي سارّك به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكَيتِ ثم سارّك فضحكتِ ؟ قالت : سارّني فأخبرني بموته فبكَيتُ ، ثم سارّني فأخبرني أني أول من يتبعه من أهله فضحكت ) .

شيماء
11-17-2008, 04:19 AM
وفي يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول ( بينما المسلمون في صلاة الفجر لم يَفْجَأْهُم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف ستر حجرة عائشة ، فنظر إليهم وهم صفوف ، فتبسم يضحك ، ونكص أبو بكر رضي الله عنه على عقبيه ليصِلَ له الصف فظن أنه يريد الخروج ، وهمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم ، فأشار إليهم أتموا صلاتكم ، فأرخى الستر ، وتوفي من آخر ذلك اليوم ) .

ثم ثقل النبي صلى الله عليه وسلم فقالت فاطمة رضي الله عنها : وا كرب أباه . فقال لها : ليس على أبيك كرب بعد اليوم ) .
واشتد الوجع برسول الله صلى الله عليه وسلم ( وبين يديه رَكوة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه يقول : لا إله إلا الله ، إن للموت سكرات ) .

و كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الصلاة الصلاة ، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم ) .

كان النبي صلى الله عليه وسلم مستنداً إلى صدر عائشة ، عن عائشة قالت : ( إن من نعم الله عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري ، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته ، دخل عليّ عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأيته ينظر إليه ، وعرفت أنه يحب السواك ، فقلت آخذه لك ؟ فأشار برأسه أن نعم ، فتناولته فاشتد عليه ، وقلت : أليِّنه لك ؟ فأشار برأسه أن نعم ، فليّنته فأمرّه ) .

ثم أخذته بحة شديدة فسمعته عائشة يقول : ( مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ) . ثم نصب يده فجعل يقول : في الرفيق الأعلى . حتى قبض ومالت يده ) .

فلما مات قالت فاطمة : يا أبتاه ، أجاب رباً دعاه ، يا أبتاه ، من جنة الفردوس مأواه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ) .
تسرّب الخبر إلى الناس ، فأظلمت المدينة ، عن أنس وذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال : شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشهدته يوم موته فما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .

قام عمر يقول : والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله قال : بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً ، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً ثم خرج فقال : أيها الحالف على رسلك ، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر ، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال : ألا من كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، وقال : ( إنك ميت وإنهم ميتون ) وقال : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) . فقال عمر : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعَقِرْت حتى ما تُقِلُّني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها علمت أن النبي صلى الله عليه و سلم قد مات ) .
ثم اجتمع الصحابة في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : بايعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح ، فقال عمر : بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس ) .
ثم غُسِّل النبي صلى الله عليه وسلم ، و كفّن في ثلاثة أثواب بيض سَحولية ليس فيها قميص ولا عمامة ) .

فلما فرغوا من جهازه يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته ، ثم دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه و سلم أرسالاً يصلون عليه ، حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء ، حتى إذا فرغوا أدخلوا الصبيان ، ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد ، لقد اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر له .. فقال أبو بكر : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض ، قال فرفعوا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي عليه فحفروا له ثم دفن صلى الله عليه وسلم وسط الليل من ليلة الأربعاء ) . فلما دفن قالت فاطمة : يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب ؟ ) .

طبت حياً وميتاً يا رسول الله ، فداكَ الروح والنفسُ ، صلى الله عليك وجزاك خير الجزاء ، و جمعنا بك في مستقر رحمته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

شيماء
11-17-2008, 04:20 AM
(أيها الناس إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ )
و لقد كرر هذه التوصية نفسها مرة أخرى في خاتمة خطابه و أكد ضرورة الاهتمام بها و ذلك عندما قال :( أَيُّها النَّاس، اسمعوا قولي واعقلوه تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة , فَلاَ يَحِلُّ لامْرِىءٍ مَالُ أَخيهِ إلاّ عَنْ طيبِ نفْسٍ منهُ، فلا تظلمن أنفسكم اللهم هل بلغت ؟ )
و نحن نقول:
أجل و الله لقد بلغت يا رسول الله..ولعلنا اليوم أولى من ينبغي أن يجيبك :
اللهم لقد بلغت ! .. و إن كنا في ذلك إنما نسجل مسؤولية على أعناقنا قصرنا كل
التقصير في القيام بحقها, فاننا نرى استباحة الدماء المعصومة: ووالله انها لجريمة فظيعة أن تستباح دماء الناس بغير جريرة،. قال تعالى: (وَلاَ تَقْتُلوا النَّفسَ الّتِي حَرَّمَ اللهُ إلاَّ بِالحَقّ) ( ).
والنصوصُ الشرعية متكاثِرة في بيان حُرمة المسلم وعِصمة دمه ،فاللهُ جلّ وعلا يقول: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) ( ). ويقول سبحانه: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) ( ).ويقول سبحانه حكايةً عن ابنَي آدم عليه السلام : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ) ( ). فبداية القتل كانت مِن وَلَدي آدم.وقال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأ) ( ).
وقد ورد في سبب نزولها : أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان في سرية ، فعمد إلى شعب لقضاء حاجته ، فوجد رجلاً من القوم في غنم له ، فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلا الله ، فضربه أبو الدرداء بالسيف فقتله ، ثم وجد في نفسه شيئًا ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكر ذلكَ له، فقال : إنما قالها ليتقي بِها القتل، فقال : ( ألا شققتَ عن قلبه ، فقد أخبرك بلسانه فلم تصدقه ، فكيف بلا إله إلا الله ؟! فكيف بلا إله إلا الله ؟! ) قال أبو الدرداء : حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي ، فنزل قوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً ) ( ).
فقد تضمنت الآية الإخبار بعدم جواز إقدام المؤمن على قتل أخيه المؤمن بأسلوب يستبعد احتمال وقوع ذلك منه إلا أن يكون خطأ ، حتى لكأن صفة الإيمان منتفية عمن يقتل مؤمنًا متعمدًا، إذ لا ينبغي أن تصدر هذه الجريمة النكراء ممن يتصف بالإيمان ، لأن إيمانه ـ وهو الحاكم على تصرفه وإرادته ـ يمنعه من ارتكاب جريمة القتل عمدًا.
وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا ) ( )
بل ورد الوعيد لمن أعان على القتل المحرّم أو كان حاضرًا يستطيع منعه أو الحيلولة دون وقوعه ، أو شجع القاتل على القتل ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو أن أهل السماء و الأرض اشتركوا في دم مؤمنٍ لأكبّهم الله في النار ) ( ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( سِبابُ المسلم فُسوق وقتاله كفر) ( ) ، وقال الحَسَن البصري: إنّ عليًّا رضي الله عنه بعث إلى محمد بن مَسلمَة، فجيء به فقال: ما خلَّفك عن هذا الأمر؟ يعني القتال بينه وبين خصُومه رضي الله عنهم أجمعين ، قال: دفَع إليَّ ابنُ عمك ـ يعني النبي عليه الصلاة والسلام ـ سيفًا فقال : ( قاتِل به ما قُوتل العدوّ، فإذا رأيتَ الناس يقتُل بعضُهم بعضًا فاعمَد به إلى صَخْرة فاضربه بها، ثم الزَم بيتَك حتى تأتيكَ منيةٌ قاضية أو يدٌ خاطئة ) ، فقال عليّ رضي الله عنه : خلُّوا عنه ( ) .
ونقل ابن عبد البر عن بعض السلف قوله: ( أحقُّ الناس بالإجلال ثلاثةٌ: العلماءُ والإخوان والسلطان، فمن استخفَّ بالعلماء أفسَد دينَه، ومن استخفَّ بالإخوان أفسَد مروءتَه، ومن استخفَّ بالسلطان أفسد دنياه، والعاقل لا يستخفّ بأحد) ( ) .

ألا نعلم أن الاسلام قرر الاخوة بين المسلمين ووضع لهذه الأخوّة أُسساً و عناصر :
أولها : المحبّة وعدم الغلِّ : قال تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) ( ) . و عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ) ( ) . و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ ) ( ) . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ : إِمَامٌ عَدْلٌ ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) ( )
ثانيها : الرحمة : قال تعالى : (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ )
ثالثها : أداء الحقوق : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ . قِيلَ : مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ ) ( ) .

رابعها : نصره وعدم خذلانه أو احتقاره أو الانتقاص منه : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لا تَحَاسَدُوا وَلا تَنَاجَشُوا وَلا تَبَاغَضُوا وَلا تَدَابَرُوا ، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْقِرُهُ ، التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ) ( ) .
خامسها : تقديم النفع له وعدم الإضرار به : ؟ قَالَ : ( مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ ) ( ) .




(فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانةٌ فليؤُدِّها إلى مَنْ ائْتمَنَهُ عَلَيها )

إنَّ الإنسان يحمل مسؤوليَّة عظيمة ، فهو الَّذي حمل الأمانة الَّتي أبت السماوات و الأرض و الجبال حملها ، هذه الأمانة هي أمانة الدين ، أمانة العبادة ، أمانة التكليف ، قال تعالى : ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) ( . سبحان الله ما أظلم الإنسان و ما أجهله ؟ تُعرض الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فيمتنعن عن حملها ، ثمَّ يأتي الإنسان و يتحمَّلها طائعاًَ مختاراً فأقام الله عليه الحجَّة ، قال تعالى : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) ( ) .
إنَّ الأمانة مسؤوليَّة عظيمة ، و حمل ثقيل ، فعلى الإنسان أن يتحمَّل مسؤوليَّته ، و أن يؤدي أمانته فيما بينه و بين الله ، و فيما بينه و بين العباد .
أمَّا أداؤها فيما بينه و بين الله بأن يقوم بطاعة الله و عبادته و إخلاص الدين له ، و الإلتزام بشرع الله ، و الإقتداء بسنة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من غير زيادة و لا نقصان ، و أن يكون العمل خالصاً لوجه الله الكريم ، موافقاً لشرعه حتى يقبله الله .
أمَّا أداؤها فيما بينه و بين العباد فأن يقوم بما أوجب الله عليه من حقوق بحسب مسؤولية الإنسان و ما التزم به نحو غيره ، و أول المسؤوليات و الأمانات أمانة أولياء الأمور في كلِّ أمرٍ تولاه الإنسان صغيراً كان أو كبيراً ، فعليه أن يقوم بالعدل ، و أن يسير في ولايته حسبما تقتضيه مصلحة الدين ، لا يُحابي قريباً و لا صديقاً و لا قوياً و لا غنياً ولا شريفاً ، إنَّما يكون قدوته في ذلك محمد رسول الله صلَّى الله عليه و سلَّم الَّذي قال : ( لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) (

شيماء
11-19-2008, 05:26 PM
و الأمانة عامّة ، فكل إنسان مؤتمن ، الرجل مؤتمن ، و المرأة مؤتمنة ، و كل فرد في هذا المجتمع الإسلامي مؤتمن على أمور من ضمنها أموال النَّاس و أعراضهم وأرواحهم وأنفسهم ، فعليه أن يراعي الله في هذه الأمانة فلا يفرط فيها .
لقد أمر الله تعالى بأداء الأمانة فقال : ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ ) ( ) . و في الحديث ( أدِّ الأماتة إلى من ائتمنك ، و لا تخن مَن خانك ) ( )و في سؤال هرقل لأبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم و دعوته قال هرقل : ( وسألتك بماذا يأمركم فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ، ويأمركم بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة . قال : وهذه صفة النبي) ( )و في حديث جعفر للنجاشي : ( أمرنا بصدق القول و أداء الأمانة و صلة الرحم ) ( ) .
لقد أثنى الله على المؤدين لأماناتهم ، فقال في صفات المؤمنين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون : ( وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) ( ) . وجاء في الحديث : ( اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدثتم ، وأوفوا إذا وعدتم ، وأدوا إذا اؤتمنتم ، واحفظوا فروجكم ، وغضوا أبصاركم ، وكفوا أيديكم ) ( ). و في الحديث : ( ... فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم فيقوم فيؤذن له ، وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالاً فيمر أولكم كالبرق .. ثم كمر الريح ، ثم كمر الطير ، وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول : رب سلم سلم ، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به ، فمخدوش ناج ومكدوس في النار ) ( ). قال الإمام النووي : ( وأما إرسال الأمانة والرحم فهو لعظم أمرهما وكبر موقعهما ، فتصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها الله تعالى , قال صاحب التحرير : في الكلام اختصار , والسامع فهم أنهما تقومان لتطالبا كل من يريد الجواز بحقهما ) ( ) .
لقد نهى الله عن خيانة الأمانة فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ( ). و نفى النبي صلَّى الله عليه و سلَّم كمال الإيمان عن خائن الأمانة فقال : ( لا إيمان لمن لا أمانة له ، و لا دين لمن لا عهد له ) ( ). و بين النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الخيانة و الأمانة لا يجتمعان كما لا يجتمع الكفر والإيمان فقال : ( لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرئ ، ولا يجتمع الصدق و الكذب جميعاً ، و لا تجتمع الخيانة و الأمانة جميعاً ) ( ). و جعله من المنافقين فقال : ( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ) ( ). و في رواية ( آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان ) ( ). لأنَّ النَّاس يخدعون بإنسان من مظهره ، أو في حسن كلامه ، فيضعون عنده أماناتهم سواء من مالٍ أو سرٍّ أو حاجةٍ ، فإذا به يظهر على حقيقته مخالفاً ما ظنَّه النَّاس عليه ، فيضيِّع الأمانات ، ويأكل الأموال ، و يفشي الأسرار ، و يتلف الحاجات ، لذلك كان فيه علامة من النِّفاق .
لقد أخبر النبي صلَّى الله عليه و سلَّم أنَّ الأمانة ستضيع ، و أنَّه سيأتي زمان على النَّاس تنقلب فيه الموازين و تختلط فيه الحسابات فقال : ( إن خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون و لا يستشهدون ، و يخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يوفون ، ويظهر فيهم السمن ) ( ). وقال : ( سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ويخوّن فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة . قيل : وما الرويبضة ؟ قال : الرجل التافه في أمر العامة ) ( ) .
و لقد جاء هذا الزمن ، و أصبح الكذب صدقاً ، و الصدق كذباً ، صار الباطل حقاً و الحق باطلاً ، و جُعل الخائن مؤتمناً والأمين مخوّناً ، و كثر الرويبضة الذين تحكَّموا في رقاب العباد فإلى الله المشتكى .
إنَّ رفع الأمانة من علامات الساعة ، ففي الحديث : ( لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش و التفاحش ، و قطيعة الرحم ، و سوء المجاورة ، و حتى يؤتمن الخائن و يخوّن الأمين ) ( ) .
و عن أبي هريرة قال : بينما رسول الله صلَّى الله عليه و سلَّم جالس يحدث القوم في مجلسه جاء إعرابي فقال : يا رسول الله متى الساعة ؟ فمضى رسول الله صلَّى الله عليه و سلَّم يحدّث ، فقال بعض القوم : سمع فكره ما قال ، و قال بعضهم : بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال : أين السائل عن الساعة ؟ قال : ها أنا ذا يا رسول الله . قال : إذا ضيّعت الأمانة فانتظر الساعة . قال : يا رسول الله و ما أضاعتها ؟ قال : ( إذا أوسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ) ( )لقد ضيعت الأمانة ، فهل يا ترى الرجل المناسب في المكان المناسب ؟ إنَّها المحسوبيات والواسطات و الرشاوى .
أمَّا عن رفع الأمانة فقال حذيفة حدثنا رسول الله حديثين قد رأيت أحدهما و أنا أنتظر الآخر ، حدثنا أنَّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن و علموا من السنَّة . ثمَّ حدثنا عن رفع الأمانة فقال : ( ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت ، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط تراه منتبراً وليس فيه شيء ، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة ، فيقال : إن في بني فلان رجلاً أميناً ، ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ) ( ) .

شيماء
11-19-2008, 05:28 PM
(ألا و إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع و دماء الجاهلية موضوعة … وأن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد بن عبد المطلب ، وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية ) .

إنه يقول أن كل ما كانت الجاهلية تفخر و تتمسك به من تقاليد العصبية القبلية و فوارق اللغة و الأنساب و العرق و استعباد الإنسان لأخيه الإنسان بأغلال الظلم و المراباة قد بطل أمره و مات اعتباره فهو اليوم جيفة منتنة غيبتها شريعة الله في باطن الأرض ...
لقد أبعدها رسول الله صلى الله عليه و سلم عن منطلق الإنسانية و تقدمهاالفكري و الحضاري و أعلن أنها قد عادت حثالة مدفوعة .
إن النظام الاجتماعي العربي قبل الإسلام كان قائماً على أساس العصبية ، عصبيّة الدم و الرحم ، و عصبيّة العشيرة و القبيلة ، فقد كانوا يحيون للعصبية القبلية و يموتون لها في الحق و الباطل ، حتى قال قائلهم يعبّر عن حالهم :
إن أنا إلا من جهينة إن غوت غويت وإن ترشد جهينة أرشد
و ظل العرب كذلك حتى جاء الإسلام بشموليته ، فجعل النظام الاجتماعي قائماً على أساس التعاون على البر و التقوى ، لا تعاوناً على الإثم والعدوان ، لذلك جمع الجميع تحت راية الإسلام يحيون في ظلها ، و يموتون من أجلها .
لقد تغيّرت حال العرب من قبائل مختلفة مفكّكة متحاربة إلى أمة واحدة أصبحت خير أمة أُخرجت للناس ، فها هم الأوس و الخزرج الذين دارت الحرب بينهم فترة طويلة من الزمن ، كان اليهود يشعلون نار هذه الحرب بينهم ، التقت قلوبهم على الله ، و زالت كل ألوان العصبية و القلبية و العداوة و البغضاء ، فكانوا أنصاراً للحق ، حتى شكّلوا مع إخوانهم من المهاجرين أعظم قوة اجتمع فيها القرشي و العبسي و الغفاري و الجهني والأوسي و الخزرجي ، و اجتمع فيها العربي والفارسي و الرومي و الحبشي على أساس من الأخوّة الإيمانية ، التي تحكمها ضوابط و أسس الشريعة و الدّين ، لهذا امتن الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه النعمة و هي جمع الكلمة و تأليف القلوب فقال : ( هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( ) .
عاش المسلمون في ظل الإسلام إخوة متحابّين متناصحين متناصرين ، يؤثر بعضهم بعضاً ، و يضحّي بعضهم أمام بعض ، عن أنس رضي الله عنه قال : قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلّني على السوق .. ) ( ) .
لكن برغم ذلك لم تخل الأمور من حالات شاذة عن هذه القاعدة ، حالات عادت فيها النفوس إلى عصبيتها و عشائريتها ، لكن الإسلام حاربها ، و قد نُقلت لنا هذه الأحداث لتكون عظة و عبرة و درساً ، حتى لا نعود إلى قبليّتنا ، من ذلك :
1- عن زيد بن أسلم قال : مرّ شاس بن قيس وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية ، عظيم الكفر ، شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم ، على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم لها من قرار ، فأمر فتى شاباً من اليهود وكان معه فقال : اعمد إليهم فاجلس معهم وذكّرهم يوم بعاث وما كان قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار ، وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج ، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل ، فتكلم القوم ، فتنازعوا وتفاخروا ، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحرث من الأوس ، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا ، ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم والله رددناها الآن جذعة ، وغضب الفريقان وقالوا : قد فعلنا ، السلاح السلاح ، موعدكم الظاهرة ، والظاهرة الحرّة، فخرجوا إليها وتحاور الناس ، فانضمت الأوس بعضها إلى بعض ، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين ، الله الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف به بينكم ، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً ؟ فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان ، وكيد من عدوهم ، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا ، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً ، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس وما صنع ، فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ) ( ) ) .
2- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كنا في غزاة فكَسَع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا لَلأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما بال دعوى الجاهلية ؟ قالوا : يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال : دعوها فإنها منتنة ) ( ) .
لهذا ذكّر الله المؤمنين بنعمته عليهم فقال : ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ( ) .
إن العصبية القلبية مقيتة بغيضة ، و هي سلاح فتّاك يفتك بالمجتمع ، لذلك فإننا نرى أن الأيدي الخفية تريد أن تزج مجتمعاتنا في لهيب هذه العصبية ، يريد البعض أن نعود إلى الجاهلية الأولى ، أن تعود الحرب القبلية العشائرية ، فنراهم يجمعون الناس تحت الروابط القبلية العشائرية ، ونراهم يضربون على وتر العشائرية عند أي خلاف ولو كان شخصياً و تافهاً ، لذلك فإننا نقول : إنها نغمة جديدة ، و خطر عظيم ، و فتنة كبيرة يحاول البعض إثارتها .
علينا أن نجعل الميزان هو الحق ، و أن نجعل الحكم هو الشرع ، و علينا أن ننصر إخوتنا لكن ليس بالميزان الجاهلي ، إنما بالميزان الشرعي الإسلامي ، عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا : يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً ؟ قال : تأخذ فوق يديه ) ( ) . و عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ، فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره ؟ قال : تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره ) ( ) . فردع الظالم و منعه من ظلمه هو نصر له على نفسه الأمارة بالسوء ، و نصر على شيطانه الذي يريد إيقاع العداوة و البغضاء بين الناس ، و نصر للمجتمع الذي يحيى بسلام و طمأنينة .
علينا أن نجعل أعمالنا مسخرة من أجل المصلحة الإسلامية العامّة ، هذه الروابط العشائرية التي تشكّل لماذا تشكّل ؟ هل تشكّل لتكون داء في المجتمع فتفرّق بدل أن تجمع ؟ أم لتكون جامعة لا مفرِّقة ؟ هل تشكّ من أجل الهوى و العصبية أم للتعاون على البر و التقوى ؟
علينا أن نحارب كلّ مظاهر العصبية الجاهلية ، و على أهل الخير أن يأخذوا دورهم الإصلاحي ، حتى لا يسمحوا لأي نوع من أنواع الفتنة أن يسري إلى مجتمعاتنا ، و هذا الكلام ليس في حالة خاصّة ، إنما هو كلام في كل حالات العصبية الجاهلية التي تظهر في مجتمعاتنا .
ومن أمثلة التعصب في هذا الزمان التعصب للوطن ,وهو ما يطلق عليه ( الوطنية )
مدعين أن حب الوطن من الايمان , والحق أن الوطن محبب للنفس لكن لا يصل هذا الحب للتعصب وانكارالآخرين ومقتهم نتيجة مواطنهم , لم تكن الوطنية تمثل يوما للمسلمين هاجسا أو تصورا أو حتى شعورا يحرك الواحد منهم تجاه الأشياء والحوادث والأشخاص تحريكا متميزا . بل إن العرب أنفسهم وقبل ظهور الإسلام لم يكن للوطنية مفهوم عندهم ولم تكن تتجاذبهم من العنصريات إلا الرابطة العرقية أو القبلية وما ينتج عنها من التفاخر والتناصر فيما بينهم ، أما الوطن والأرض والتراب فلم يكن يمثل لهم إلا السكنى والمال المرتبط بالأرض والأهل والولد ، ولا غضاضة لدى الواحد فيهم أن يرحل من أرضه طالبا الرعي والزرع وغير ذلك من بسائط مقومات الحياة عندهم تاركا أرضه بكل سهولة ويسر ، ولولا الترحال والتنقل بين الشعوب قاطبة لما وجدت الحضارات والدول القديمة . كما أنه لم يرد في الإسلام لا في نصوص القرآن الكريم ولا في نصوص السنة الشريفة ولا حتى في آثار الصحابة والصالحين ما يدل على مفهوم الوطنية والوطن وبالمناسبة فحديث " حب الوطن من الإيمان " ليس بحديث ولم يرد في كتب الحديث ، والفقهاء عندما بحثوا الأرض وارتباط الإنسان بها قالوا عنها الدار والدار ليست الوطن بل هي الأرض بما عليها من بشر وأحكام واستندوا في ذلك لحديث سليمان بن بريدة الذي بين فيه الرسول الكريم عليه وآله أفضل الصلاة والسلام أن من يدخل من الأعراب في الإسلام عليه أن يتحول إلى دار المهاجرين ليكون له ما لهم من الإنصاف وعليه ما عليهم من الإنتصاف ، والدار عندما بحثها الفقهاء اشترطوا لكونها دار إسلام أن تحكم بالإسلام وأن يكون أمانها بأمان المسلمين ومن رضي أن يسكن هذه الدار ويصبح من رعاياها يكون من أهلها بغض النظر عن دينه أو عرقه أو موطنه الأصلي فتجد غير المسلم في دار الإسلام يتمتع بما لا يتمتع به المسلم خارج دار الإسلام أما اليوم فقد حرص الغرب الكافر على زرع الناحية الوطنية وحب الوطن والتضحية في سبيله وجعلها رابطة بين أبناء الوطن الواحد تميزهم عن غيرهم من المسلمين ، وما ذلك كله إلا زيادة في تفرقة المسلمين ووضع العراقيل والمصاعب في وجه وحدتهم إذا ما تطلعوا لها وعملوا لها ، بل إنهم لم يكتفوا بذلك بل أثاروا في الناس كل ما يزيد بعدهم عن الإسلام ويحول دون وحدتهم مع إخوانهم المسلمين فبثوا في مصر الفرعونية وفي تركيا الطورانية وفي الشام الفينيقية وفي العراق الآشورية حتى صدقت الشعوب فعلا أنها فرعونية وطورانية وفينيقية وآشورية وخليجية فتوحدت على هذه السخافات ونظرت إلى غيرها من الشعوب بفوقية وتعالي .لقد جاء الإسلام للبشر عامة لينقذهم من براثن العبودية لغير الله وذلة البشر والجور والجهل إلى عزة العبودية لله تعالى والعيش وفق طريقة الإسلام فنظم حياتهم مسلمين وغير مسلمين دون النظر إلى أصولهم وألوانهم وأوطانهم وجعل الأفضلية بينهم التقوى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) وحذرهم من التفاخر بالعنعنات الجاهلية ، قال عليه وآله أفضل الصلاة والسلام : « لينتهين أقوام يفتخرون بآباءهم ، هم حصب جهنم ، أو ليكونن أهون على الله من الجعل يدهده الخرء بأنفه ، ألا كلكم لآدم وآدم من تراب »( ) ، فلندع عنا التفاخر بالأوطان والأنساب ولنتفاخر بعبوديتنا لله تعالى وحده .
.

شيماء
11-19-2008, 05:30 PM
(وإنَّ رِبَا الجَاهِليّة مَوضوعٌ ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون . قضى الله أنه لا ربا ، وإنّ أَوّلَ رباً أَبْدأُ بِهِ رِبَا عَمّي العباسُ بن عبد المطلب ).

أما الربا ( ) فموضوع , قال تعالى : ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ) ( )
الرِّبا كبيرةٌ من الكبائر الَّتي حذَّر منها رسول الله صلَّى الله عليه و سلَّم فقال : ( اجتنبوا السبع الموبقات ، قالوا : و ما هنَّ يا رسول الله ، قال : الشِّرك بالله و السِّحر وقتل النَّفس الَّتي حرَّم الله إلا بالحقِّ و أكل الرِّبا و أكل مال اليتيم و التولِّي يوم الزَّحف وقذف المحصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ ) ( ) . و قال : ( الرِّبا ثلاثةٌ وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ) ( ) . و قال : ( إذا ظهر الرِّبا و الزِّنا في قريةٍ فقد أحلُّوا بأنفسهم عذاب الله ) ( ) . و قال : ( درهم رباً يأكله الرجل و هو يعلم أشدُّ عند الله من ستةٍ و ثلاثين زنية ) ( ) . فكم من الدراهم يأكل أصحاب الرِّبا و المال الحرام ؟؟
عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج ، وكان أبو بكر يأكل من خراجه ، فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر ، فقال له الغلام : أتدري ما هذا ؟ فقال أبو بكر : وما هو ؟ قال : كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أُحسن الكهانة إلا أني خدعته ، فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه ، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه ( ) .
وقد أجمع علماءُ الإسلام سلفاً وخلفاً على تحريم الرِّبا بكلِّ أشكاله و صوره ، فقد جاء رجلٌ إلى الإمام مالك بن أنس فقال : رأيت رجلاً سكراناً فقلت امرأتي طالقٌ إن كان يدخل جوف ابن آدم شر من الخمر ، فقال ارجع حتى أنظر في مسألتك ، فأتاه من الغد ، فقال له ارجع حتى أنظر في مسألتك ، فأتاه من الغد فقال له امرأتك طالقٌ ، لقد تصفَّحت
كتاب الله و سنَّة نبيِّه فلم أر أشرُّ من الرِّبا لأنَّ الله أذن فيه بالحرب ( ) .
ما حرَّم الإسلام أمراً إلا نتيجة الضرر الَّذي ينتج عن هذا الأمر ، فالسبب في تحريم الرِّبا ما ينتج عنه من أضرارِ إقتصاديَّةِ و إجتماعيةٍ و أخلاقيَّةٍ و عسكريَّةٍ فهو :
1- يسبِّب العداوة بين الأفرادِ ويقضي على روحِ التَّعاون ممَّا ينتج عنه خللٌ إجتماعيٌّ .
2- يؤدِّي إلى وجودِ طبقةٍ مترفةٍ لا تعمل شيئاً تتضخَّم الأموالُ في أيديها دون مشقَّةٍ ولا جهدٍ على حسابِ غيرها .
3- يسبِّب القلقَ و الإضطرابَ النفسيِّ و عدم الإستقرار بالنسبة لآكل الرِّبا وموكلهِ على حدٍّ سواء .
4- الرِّبا وسيلةٌ للإِستعمارِ فقد ثبت أنَّ الغزو الإقتصادي القائم على المعاملاتِ الربويَّة كان التمهيد للغزو العسكريّ .
إنَّ كلَّ ما زاد عن رأس المال فهو رباً أو كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهو ربا ، سواءً سمِّي ربا أم فائدةً أم غيره ، فإنَّها جميعها صورٌ من صور الربا ، فماذا ينتظر هؤلاء الَّذين يحتالون على أمر الله ، ويستحلُّون محارم الله ، و يتجرأون على أكل الحرام ، ويحاربون الله . إنَّ الحرب معلنةً من الله على هؤلاءِ ، و سيمحق الله أموالهم ويذهب بها و بهم لا محاله ، فإن الله قال : ( يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَ يُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) ( ) . و يقول عليه الصلاة و السَّلام : ( الربا و إن كثر فإنَّ عاقبته إلا قُلّ ) ( ) . إنَّ الله يمهل ولا يهمل ، و يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته . فقد شاهدنا الكثير من حالات محق الربا و أهله ، فكم من الذين يتعاملون بالربا و أموالهم كثيرة لكن لا خير فيها و لا بركة ، و كم من الذين ابتلاهم الله بداء في أنفسهم أو عيالهم فأنفقوا أموالهم للتخلّص من هذا الداء و لكن دون نتيجة ، و كم من الذين ذهبت أموالهم بسبب إفلاس بعض البنوك الربوية أو فرار من أعطوه أموالهم ، فبادروا عباد الله إلى ترك الربا بكل صوره ، وتوبوا إلى الله قبلَ أن تذهب أموالكم و يستحكم الله العذاب .
من مزايا الإسلام أنَّه ما حرَّم شيئاً إلاّ أوجد له بديلاً ، فلمَّا حرَّم الرِّبا أباح البيع والتجارة و وضع الحلول والوسائل التي من شأنها القضاء على الرِّبا ، فمن ذلك :
1- القرض الحسن ، فبدل أن يقرض المسلم ماله بفائدة تمحق ماله رغَّب الله في القرض الحسن فقال : ( مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ) ( ) . فالقرض هو قرضٌ مع الله كما في الحديث ( يابن آدم مرضت فلم تعدني ، قال يا رب كيف أعودك و أنت ربُّ العالمين ، قال : أما علمت أنَّ عبدي فلان مرض فلم تعده ، أما علمت أنَّك لو عدته لوجدتني عنده . يا ابن آدم استطعمتكم فلم تطعمني ، فقال يا رب كيف أطعمك و أنت ربُّ العالمين ، قال : أما علمت أنَّه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنَّك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ) ( ) .
2- إنظار المعسَّر ريثما يزول إعساره ، و الحثُّ على التجاوز عن دينه ( وَإِن كَانَ ذُوعُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ( ). و في الحديث : ( كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسراً قال لفتيانه : تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا ، فتجاوز الله عنه ) ( ) .
3- التعاون بكلِّ وسائله و يشمل التعاون الإجتماعي و الصِّناعي و الزراعي ، وتمويل العمَّال و أصحاب الصِّناعات ممَّا يقوِّي إنتاجهم و يضاعفه فيعود بالخيرِ على الأمَّةِ وعلى العامل و على المموِّلِ بما ينتج عنه من أرباح تفوق ما يُعطى من رباً و فوائد قال تعالى : ( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى ) ( ) .
4- إخراج زكاة المال ، فلو أخرج كلَّ إنسانٍ زكاة ماله و دفعها إلى المستحقِّين لما وُجِدَ في المجتمع الإسلامي فقراء يحتاجون القروض بفائدةٍ أو رباً .ثم إن الإنفاق ينبغي أن يكون من حلال طيب ، لا خبيث أو حرام ، قال تعالى : ( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّون ) ( ). ( وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ) ( ). ويقول عليه الصلاة والسلام : ( إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّباً ) . و يقول : ( لا تطعموهم ممَّا لا تأكلون ) .
فاحذروا عباد الله من الفوائد والرِّبا حتَّى لا تعرِّضوا أنفسكم للخسارةِ في الدنيا والآخرة .

شيماء
11-19-2008, 05:32 PM
مازال البحث يتكلم عن كل جزئية في الخطبة بالتفصيل

فالرجاء عدم التعقيب

جهاد
11-22-2008, 03:05 AM
تصدقين يا محبة اني لا استطيع اكمال قراءة هذه الخطبة او اكمال سماعه دون أن اجهش بالبكاء
.. لا أعلم لما لكن ربما لاني اتخيل المكان والزمان
والناس حول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب
فتتهيج مشاعري من عظمة المقام والمكان ..!

من أجمل ما في الخطبة أنها تخاطب كافة الخلق
حيث يبدأها حبيبي رسول الله بالخطاب الشامل " أيها الناس "
وليس أيها المؤمنون أو المسلمون .. بل لكافة الخلق
فهو رسول ونبي كافة الخلق أرسل للناس أجمعين

اللهم صلى وسلم وبارك على حبيبك وحبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم



//

محبة السنة

جزاك الله الخير كله

شيماء
11-22-2008, 04:23 AM
تدرين أختي جهاد ...ما أنقله لكم هنا هو بحث شامل
لخطبة الرسول ومازال هناك بقية سأكملها إن شاء الله

فالكاتب شرح وفصل كل جملة في خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم
مع إن البحث طويل ..لكن من يقرؤه بتركيز وتفرغ وقليل من الخشوع والهدوء
سيرى العجب العجاب في شرح الخطبة

لاألومك على بكائك أنا نفسي أبكي رغم قراءتي لها أكثر من مرة
وخاصة أن هناك كلمات في خطبة الرسول عليه الصلاة والسلام
توضح أن موعد رحيله من الدنيا قد دنا واقترب

ما أثقلها من لحظات على قلوب أصحابه !
إذا نحن تأثرنا وهي مجرد أسطر وكلمات على ورق
فكيف كان تأثيرها على الصحابة !!

شاكرة لك تعقيبك قلبت المواجع علينا يا أخية

شيماء
11-23-2008, 03:01 AM
(أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم).


ذكرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما استقرَّ من تحريمِ الأشهُر الحرُم: (وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرَّم ورجب)، وأبطلَ تلاعُبَ المشركين في جاهليتِهم ببعضِ الأشهُرِ الحرُم وتأخير بعضِها؛ استِحلالاً للقتالِ فيها.





(أَيُّها النَّاس، إِنَّمَا النَّسيءُ زِيادةٌ في الكُفرِ ، يضلُّ به الذينَ كَفَروا ، يُحِلُّونَهُ عاماً ، وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً ، لِيوَاطِئُوا عِدَّة مَا حَرَّمَ اللهُ فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله . إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ورجب مضر ، الذي بين جمادى وشعبان).

فـ"النسيءُ هو ما كان أهلُ الجاهلية يستعملونه في الأشهُرِ الحرُم وكان مِن جُملةِ بِدَعِهم الباطلة: أنهم لما رأوا احتِياجَهم للقتالِ في بعضِ أوقاتِ الأشهُرِ الحرُم رأوا ـ بآرائهم الفاسدة ـ أنْ يحافظوا على عِدَّةِ الأشهُرِ الحرُم (التي حرَّم الله القتالَ فيها وأنْ يؤخِّروا بعضَ الأشهُرِ الحرُم أو يقدِّموه ويجعلوا مكانَه من أشهُرِ الْحِلِّ ما أرادوا فإذا جعلوه مكانه أحلُّوا القتالَ فيه وجعلوا الشهرَ الحلالَ حراماً فهذا ـ كما أخبر الله عنهم ـ أنه زيادةٌ في كُفرِهم وضلالِهم؛ لِما فيه من المحاذير: منها: أنهم ابتدَعُوه من تِلقاءِ أنفُسِهم وجعلوه بمنزلةِ شرعِ الله ودينِه والله ورسولُه بريئان منه، ومنها: أنهم قلبوا الدِّينَ؛ فجعلوا الحلالَ حراماً والحرامَ حلالا، ومنها: أنهم مَوَّهُوا على الله بِزَعمِهم وعلى عبادِه ولبَّسُوا عليهم دينَهم واستعملُوا الخداعَ والحيلةَ في دينِ الله، ومنها: أنَّ العوائدَ المخالِفةَ للشِّرع مع الاستمرارِ عليها يزولُ قبحُها عن النفوسِ؛ وربما ظُنَّ أنها عوائدُ حسنةٌ؛ فحصلَ من الغلطِ والضلالِ ما حصل؛ ولهذا قال: (يُضَلُّ به الذين كفروا يُحِلُّونه عاماً ويُحرِّمونه عاماً ليواطئوا عِدةَ ما حرَّم الله): أي ليوافقوها في العدَد؛ فيُحِلُّوا ما حرَّم الله".